أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
314
شرح مقامات الحريري
المقامة الرابعة والأربعون وتعرف بالشّتوية حكى الحارث بن همام قال : عشوت في ليلة داجية الظّلم ، فاحمة اللّمم ، إلى نار تضرم على علم ، وتخبر عن كرم ، وكانت ليلة جوّها مقرور وجيبها مزرور ، ونجمها مغموم ، وغيمها مركوم وأنا فيها أصرد من عين الحرباء ، والعنز الجرباء ، فلم أزل أنصّ عنسي ، وأقول : طوبى لك ولنفسي ، إلى أن تبصّر الموقد آلي ، وتبيّن إرقالي ، فانحدر يعدو الجمزى ، وينشد مرتجزا ! . * * * داجية وفاحمة : شديدة السّواد . واللّمم : جمع لمة ، وهي جمّة الشعر التي ألمّت بالمنكب ، أي قاربته . وجعل للّيلة لمّة مجازا ، وهو يريد شدّة سوادها ، تضرم : توقد . علم : جبل . جوّها : ناحية سمائها . مقرور : بارد . وأراد أنّ ما يجيء من جوّها من الريح والهواء بارد جدا . مزرور : مشدود بالأزرار ، وهي أطواق الثّياب ، وهذا يكون في طوق الصّغير يشقّ في صدر الثّوب عوضا عن الجيب ، ويترك من الطّوق طرفان على ذلك الشق ، فإذا لبس الثوب شدّ الطرفين ، فيقال عند ذلك : قد زرّرت الثوب ، يريد أن السحاب قد تكاثف في تلك الليلة ، فلا تبصر العين فيها لشدة ظلامها ، لأن الثوب إذا شددت أزراره ، لم يجد رأس الإنسان من أين يخرج ، فلما جعل لليلته ثوبا من الظلام والسحاب جعله مربوطا مشدودا مغموما مستورا ، غيمها : سحابها ، مركوم ، أي متراكب بعضه على بعض ، أنصّ عنسي ، أي أجهد ناقتي وأتعبها ، والنّصّ رفع السير ، وقالت أم سلمة لعائشة رضي اللّه عنهما : ما كنت قائلة لو أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عارضك ببعض الفلوات ناصّة قلوصا من منهل إلى آخر ، ومنه نصّ الحديث إلى فلان ، أي رفعه إلى شخص . وإرقالي : سرعتي . يعدو : يسرع . الجمزى : عدو شديد . [ الرجز ] * * * حيّيت من خابط ليل ساري * هداه بل أهداه ضوء النّار إلى رحيب الباع رحب الدار * مرحّب بالطّارق الممتار ترحاب جعد الكفّ بالدّينار * ليس بمزورّ عن الزّوار ولا بمعتام القرى مئخار * إذا اقشعرّت ترب الأقطار